أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

25

نثر الدر في المحاضرات

بنور الحق . واللّه لقد وطئكم الحجاج وطأة مشفق ، عطفته رحم ، ووصل قرابة . فإياكم أن تزلّوا عن سنن ما أقمناكم عليه ، فأقطع عليكم ما وصلته لكم بالصارم البتّات وأقيم من أودكم ما يقيم المثقّف من أود القنا بالنار . ها إليكم . ثم نزل وهو يقول : [ الطويل ] أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها * وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمرا وخطب ذات يوم فقال : إنه واللّه ما لكم عندي بلهنية ولا رفهنيّة « 1 » ولا ربغ عند التحلية . ولا أقول لمن عثر منكم : دع . دع . ولكن تعسا لليدين وللفم . قال الحجاج لرجل من أهل الشام . وقد أتي برجل : قم فاضرب عنقه فقال : أصلح اللّه الأمير ، ولي نصف أجره ؟ فقال : الحجاج : ما أهمّ بأمر أرجو فيه القربة والزّلفة إلا نازعنيه شاميّ . اضرب عنقه ، ولك ثلث أجره . كان الحجاج إذا استغرب ضحكا والى بين الاستغفار . وكان إذا صعد المنبر تلفّع بمطرفه ، ثم تكلّم رويدا فلا يكاد يسمع منه ، ثم يتزيّد في الكلام حتّى يخرج يده من مطرفه يزجر الزجرة فيقرع بها أقصى من في المسجد . وكان يطعم في كلّ يوم على ألف مائدة ، على كل مائدة ثريد وجنب من شواء ، وسمكة طرية . ويطاف به في محفّة على تلك الموائد ليتفقد أمور الناس ، وعلى كل مائدة عشرة . ثم يقول : يا أهل الشام . كسروا الخبز لئلا يعاد عليكم . وكان له ساقيان : أحدهما يسقي الماء والعسل ، والآخر يسقي اللّبن . يروى عن محمد بن المنتشر الهمداني ، قال : دفع إليّ الحجاج « آزادمرد بن الهربذ » وأمرني أن أستخرج منه ، وأغلظ له . فلما انطلقت به قال لي : يا محمد . إن لك شرفا ودينا ، وإني لا أعطي على القسر شيئا ، فاستأذني ، وارفق بي . قال : ففعلت . قال : فأدّى إليّ في أسبوع خمسمائة ألف . قال : فبلغ ذلك الحجاج ، فأغضبه ، وانتزعه من يدي ، ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب ، فدق يديه برجليه ، ولم يعطهم شيئا .

--> ( 1 ) البلهنية : بضم الباء : الرخاء وسعة العيش ، ورفهنية مثلها وزنا ومعنى .